أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

55

شرح مقامات الحريري

قال ابن جني : ثم إني عثرت على الموضع الذي أخذ منه ، فوجدته لابن المعتز مصراعا بلفظ [ ليّن ] صغير [ جدّا ] جرى فيه معنى بيت المتنبي كله على جزالة لفظه وحسن تقسيمه وهو : [ البسيط ] * فالشّمس نمّامة والليل قواد * قال : الثعالبي إما أن يكون ألمّ به فحسّنه وزينه ، فصار أولى به ، أو عثر على الموضع الذي عثر عليه ابن المعتز فأربى عليه في جودة أخذه ، وأن يكون قد افترع المعنى وابتدعه ، فللّه درّه ! وناهيك بشرف لفظه وبراعة نسجه ! قال : ولبعض أهل العصر بيت يجمع خمس مطابقات ولا يستقل إلا بإنشاد بيتين قبله وهو : [ الطويل ] عذيري من الأيام مدّت صروفها * إلى وجه من أهوى يد المسخ والمحو وأبدت برأسي طالعات أرى بها * سهام أبي يحيى مسدّدة نحوي فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى * وهذا بياض الوخط يأمر بالصّحو وقال ابن رشيق : [ الخفيف ] أيّها الليل طر بغير جناح * ليس للعين راحة في الصّباح كيف لا أبغض الصّباح وفيه * بان عني أولو الوجوه الصّباح وقال المتنبي : [ الطويل ] وكم لظلام الليل عندك من يد * تخبّر أن المانويّة تكذب « 1 » وقاك أذى الأعداء تسري إليهم * وزارك فيه ذو الدّلال المحجّب المانويّة هم الثّنويّة ، وهم الذين يقولون : إن الخير كله من النور ، والشّر كله من الظلام ، فكذّبهم بأن وجد الخبر في الظلام حيث ستره من أعدائه ، ووقاه شرّهم ، وكان عونا على زيارة حبّه ، ووجد الضدّ في النور ، وهذا كله يجري في نمط بيت الحريري . * * * قال : فلما سمع ربّ البيت قريضه وسجعه ، واستملح تقريظه وسبعه ، بوّأه مهاد كرامته ، وصدّره على تكرمته . ثمّ استحضر عشر صحاف من الغرب ، فيها حلواء القند والضّرب ؛ وقال له : لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنّة ، ولا يسع أن يجعل البريء كذي

--> ( 1 ) البيتان في ديوان المتنبي 1 / 178 ، 179 .